محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
48
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
وعلى هيردير « * » ( 1744 - 1803 ) ، وديلثي « * * » ( 1833 - 1911 ) ، وهيدغر ( 1889 - 1976 ) ، وجان بول سارتر ، وريمون آرون ، وبول ريكور ، وآخرين عديدين . إن مجرد ذكر هذا الخط الفكري المتمثّل بكل هؤلاء المفكّرين الأوروبيين ونحن نتحدث عن القرآن بصفته وحيا يعني الكفر أو الإلحاد بالنسبة لكل هؤلاء المسلمين . أقصد المسلمين الذين لا يستطيعون أن يفهموا الفكرة التالية : إن التاريخية ليست مجرد لعبة ابتكرها الغربيون من أجل الغربيين ، وإنما هي شيء يخصّ الشرط البشري منذ أن ظهر الجنس البشري على وجه الأرض . ولا توجد طريقة أخرى لتفسير أي نوع من أنواع ما ندعوه بالوحي أو أي مستوى من مستوياته خارج تاريخية انبثاقه ، وتطوّره أو نموّه عبر التاريخ ، ثم المتغيرات التي تطرأ عليه تحت ضغط التاريخ كما شرحنا ذلك آنفا . ينبغي أن أكرر هنا مرة . أخرى ما يلي : إن التاريخية أصبحت « اللامفكّر فيه » الأعظم بالنسبة للفكر الإسلامي لسبب تاريخي واضح جدا يتمثّل في رد الفعل السنّي الذي حصل على يد المتوكل عام 848 م ، أي قبل حوالي ألف ومائتي سنة . ثم تلاه ورسّخه رد الفعل القادري ، وهو رد الفعل الذي أدى إلى تصفية الفلسفة التي تشتمل على علم الكلام المعتزلي وبخاصة ما يتعلق منه بالأطروحة القائلة بخلق القرآن . وقد سارت على نهج المتوكل جميع الأنظمة السياسية التي تعاقبت على أرض الإسلام منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا . وبالتالي ، فإن هذا اللامفكّر فيه متولّد عن الدعم السياسي للإسلام « الأرثوذكسي » في جميع نسخه : السنيّة ، والشيعية الإمامية أو الإسماعيلية أو الخارجية . ما ذا تعني التاريخية ؟ إنها تعني أساسا أن حدثا ما قد حصل بالفعل وليس مجرد تصوّر ذهني كما هي الحال في الأساطير ، أو القصص الخيالية ، أو التركيبات الايدولوجية . ومن الناحية الفلسفية يمكن لهذا التحديد أن يقودنا إلى ممارستين علميتين مختلفتين . إنه يقودنا
--> - المسيحي هو وحده الموحى به إليها ، أما ما عداه فهو من صنع البشر ! ! ولكن ربما كانت له أعذاره . فقد عاش في مجتمع كانت تهيمن عليه العقيدة المسيحية بشكل مطلق . * أما هيردير Herder فقد اشتهر بكتابه عن النسبية التاريخية ، وكانت تمثّل فكرة جديدة في ذلك الزمان . فكل شعب يتخيّل أن دينه أو تراثه شيء كوني أو مطلق لأنه يعيش داخله كالعصفور داخل القفص ، ولأنه لم ير غيره . ولكن في الواقع لا يوجد تراث مطلق مهما كبر حجمه واتساعه وانتشاره ، وإنما عدة تراثات نسبية للبشرية . هذا ما عبّر عنه في كتابه : أفكار حول فلسفة تاريخ البشرية ( 1791 ) . كان هيردير تلميذا لكانط وأستاذا لغوته . * * وأما ديلثي Dilthey ، فهو فيلسوف ومؤرّخ ألماني . وكان أحد المفكّرين الأوائل الذين ساهموا في بلورة العلوم الإنسانية التي كانت تدعى آنذاك العلوم الأخلاقية . وقد أولى علم التاريخ أهمية كبرى داخل العلوم الإنسانية ، وكان على رأس الحركة التاريخية الألمانية . وقد انتقد الموقف الميتافيزيقي وأراد أن يحل الموقف العلمي محله . وهذا دليل على تعلّقه بالتاريخية الواقعية المحسوسة . ولكن لولا تأثير العلوم الطبيعية أو الفيزيائية لما استطاع أن يتخذ مثل هذا الموقف المتقدم في زمانه .